الشيخ محمد رشيد رضا
119
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بينها تعالى قبل ذلك في سورة الأنفال بقوله ( 8 : 5 وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) - وإن تبرم الرسول من الكافرين ودعا على رؤسائهم ، فكان ذلك فرصة لاعلام المؤمنين بحقيقة من حقائق دين الفطرة ، وهي أن الرسول بشر ليس له من أمر العباد ولا من أمر الكون شئ ، وإنما هو معلم وأسوة حسنة فيما يعلمه والأمر كله للّه كما صرح به في الآية 154 يدبره بمقتضى سننه كما نص على ذلك في الآية 137 وكلا الآيتين من هذا السياق هذا البيان الإلهي في هذه الواقعة يتمكن في النفوس ما لا يتمكن لو لم يكن مقرونا بواقعة مشهودة لا مجال معها لتأويله ولا لتخصيصه أو تقييده ، فهو من أقوى دعائم التوحيد في القرآن ؛ ودلائل نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ لو كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مؤسس ملك ؛ وزعيم سياسة يديرها بالرأي ، لما قال مثل هذا القول ؛ في مثل هذا الموطن ، فماى نصيب من هذا الدين للذين يجعلون أمر العباد وتدبير شؤون الكون لطائفة من أصحاب القبور أو الأحياء ، الذين يلقبون بالمشايخ والأولياء ، فيزعمون أنهم ينصرون ويخذلون ، ويسعدون ويشقون ، ويميتون ، ويحيون ، ويغنون ويفقرون ، ويمرضون ويشفون ، ويفعلون كل ما يشاءون ، ؟ ؟ هل يعد هؤلاء من أهل الاسلام ، وأتباع القرآن ، الذي يخاطب خاتم النبيين والمرسلين ، حين لعن رؤساء المشركين ، الذين حاربوه حتى خضبوا بالدم محياه ، وكسروا إحدى ثناياه ، بقوله « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » وقوله « قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » ؟ هذا تعليم القرآن الحكيم ، وهذا هديه القويم ، فهل كان أهل بخارى مهتدين به عندما كانوا يقولون وقد علموا بعزم روسيا على الاستيلاء على بلادهم : إن « شاه نقشبند » هو حامى هذه البلاد فلن يستطيعها أحد ؟ هل كان أهل فاس مهتدين به عندما لجأوا إلى قبر ولبهم « إدريس » ، يستغيثونه ويستفتحون به على الفرنسيس ، هل كان المسلمون على شئ من هدى هذا الدين عندما كانوا يستنصرون بقراءة البخاري أو يستغيثون بالأولياء في بلاد كثيرة ؟ أيزعمون ان تلك النزعات الوثنية تعد من الدعاء المشروع ؟ ألم يعتبروا بهذه الآية وما رواه أهل الصحيح في سببها وهو دعاء النبي على رؤساء المشركين حين فعلوا ما فعلوا ؟ ألم يتعلموا من ذلك أن الاستعداد بالفعل ، مقدم